بسم الله الرحمن الرحيم
مرحبًا بكم ..
أجلس , كعادتى العتيدة, فى الظلام أمام الكمبيوتر , ظلام كاد أن يكون تامًا لولا الضوء الذى يتسلل على استحياء من مصباح المكتب الصغير , منعكسًا على ملامح وجهى الصارمة بطبيعتها , التى تشترك مع وجهى و رأسى الحليقين , و بنيانى الفارع , فى إعطائى مظهرًا يليق بحارس خاص لزعيم مافياوى ( دون مايكل كورليونى كان سيرقص طربًا لو وجد حارسا بهذه المواصفات )
أُفَضِل الجلوس فى الإضاءة الخافتة , مع موسيقة خافتة تنبعث من سماعات الكمبيوتر ( للصدفة البحتة , استمع الآن إلى للموسيقى التصويرية لفيلم الأب الروحى ! يبدو أن المصادفات تُصِر أن تثبت لى أن مستقبلى الحقيقى هناك فى صقلية عند الدون الكبير ! )
المهم , ها قد وصفت الجو المحيط , فلنطرق الموضوع قبل أن أنسى نقاطه الأساسية .
اليوم أتحدث عن بعض رجال الدين , و الأشخاص , الذين يتعاملون مع المجتمع بطريقة " اذكروا الله يا كفرة "
فلنبدأ ببعض خطباء المساجد , و أؤكد على كلمة " بعض" , حتى لا أظلم أولئك الذين يقدمون فى خطبهم موادًا مفيدة حقًا .
أنا أصلى الجمعة فى مسجد يبعد عن منزلى بشارعين صغيرين , توالى على هذا المسجد خطيبين , من النوع إياه الذى أتناوله اليوم !
يبدأ الأخ الخطيب خطبته بالصلاة و السلام على رسول الله , عليه أفضل الصلاة و السلام , ثم ... و آآآآآآه من " ثم " هذه !
يتحفنا الأخ بوابل من آراءه فى الحياة ومن يعيشونها ! للأمانة لا أنكر أن جزءًا منها صحيح و الكل متفق عليه , إلا أن النسبة الأكبر من كلامه تصب فى منبع أننا جميعا فسقة و عصاة و أولاد ستين فى سبعين و أن أحدنا لن يَرِد على جنة ! التجار جشعون , الشيوخ متصابون , الشباب أوغاد رقعاء منحلون لا يتورعون عن ركل مؤخرات العجائز فى الطريق العام ! نظرة سوداء لكل شىء , حتى أننى ضبطت نفسى ذات مرة بعد الصلاة أنظر فى المرآة بحثًا عن القرنين و الذيل , و بت أتسائل عن ما إذا كانت حيازتى للشوكة الطويلة ذات الثلاث رؤوس تعد حيازة غير قانونية لسلاح أبيض !
و قد يتحدث عن الأنبياء و الرسل و الصالحين , و نستغرق فى الخطبة , ثم !! و مرة أخرى آآآه من ثم هذه !
يبدأ يصيح فينا أن أين نحن من هؤلاء ! و أننا نعيش حاليا فى دنيا من الفساد و الإنحلال , و يلف و يدور ليتحدث عن ليلة الجمعة ! متهمًا إيانا أننا أصبحنا نتجاهل ما فيها من خير , و نسهر حتى بعد الفجر و نحن , خيبة الله علينا , جالسون مأنتخون أمام الدِش و الإنترنت , تلك الإختراعات الرقيعة التى أرسلها الغرب اللعين لنا ! لا أنكر أن من الناس من يتجاهلون الصلوات و القرآن و كل تلك العبادات , لكن .. من أين للأخ الخطيب المحترم أن يطلع علينا واحدا واحدا ليعلم من صلى و من نام أمام قناة ميلودى ؟
ثم , ما حكاية الغرب هذه ؟ أكره نظريات المؤامرة , التى تفترض ان الغرب وغد شرير زنيم يتمنى لنا الشر , هو الغرب فاضى لنا ؟! الثقافة الغربية, كأى ثقافة , بها الغث و الثمين , و انتشار بعض مظاهرها التى لا تناسب مجتمعنا الشرقى العربى , لا يعنى أن العيب فى الغرب , بل فى من اساء انتقاء و تطبيق ثقافته . و ما لا يناسبنا من الثقافات الأخرى , لا يعد اساءة للإسلام وحده , بل يمثل أيضا اساءة للثقافة الشرقية التى يتفق عليها اليهود و المسيحيين و المسلمين الشرقيون , فلا داعى للحديث عن أن هذه مؤامرة مركزة بالذات على المسلمين !
ثم أن الحديث عن الغرب الشرير البغيض , يعتبر , بحق , شماعة يهوى البعض تعليق عيوبنا و سلبياتنا عليها , و ينشرون فكرة أن الغرب شيطان لعين يرسل لنا العاهرات و المخدرات و يفتح بالوعات الصرف الصحى و يبيع السجائر الفَرط لتلاميذ الإعدادية !
نعود لخطباءنا اياهم ! الرجل منهم يمسك أذنك منذ أول الخطبة لآخرها متحدثًا عن الويل و الثبور و عظائم الأمور و الفساد و الإنحلال و البلاء الأزرق الخ الخ الخ ! اعتقد أن هذا الخطيب لو كان يفهم رسالة الإسلام بشكل سليم لأدرك أن الخطابة الإسلامية لا تعنى الحديث عن الجانب الأسود فقط من العالم , فالقرآن الكريم كما تحدث عن قوم عاد و ثمود و لوط , تحدث عن الصالحين مثل مؤمن آل فرعون و إمرأة فرعون و السيدة العذراء ,سيدة نساء العالمين , رضى الله عنها و ارضاها . و الرسول الكريم , محمد صلى الله عليه و سلم , كما تحدث عن شهود الزور و جيران السوء و النمامين , تحدث عن الشهداء و المصلين و الرفقاء بمخلوقات الله تعالى .
و الكارثة الكبرى , عندما يتحفك أمثال هؤلاء الخطباء بغريب و مستفز القول , مثلما فعل أحد خطيبىّ المسجد الذى اصلى فيه الجمعة , عندما قال ذات مرة :" سيدنا الحجاج بن يوسف الثقفى رضى الله عنه ! "
لكم أن تتخيلوا تعبيرات وجهى عندما سمعته يقولها , ولولا أننى كنت فى مكان طاهر و موقف مقدس لعبرت له عن اعتراضى و رأيى بأعرق الطرق السكندرية للإعتراض !
الحجاج ! سيدنا ؟ و رضى الله عنه ؟ يا حلاوة يا ولاد ! عموما نحن فى بلد ديموقراطى , و ربما يرى الأخ أن الحجاج به ما يستحق أن يكون سيدنا و سيد من أنجبونا ! الحجاج الذى ضرب الكعبة بالمنجنيق و قال عنه عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه :" لو جائت كل أمة بخطاياها و جئناهم بالحجاج لكفيناهم ! "
و عن اخطاء النطق و الكلمات , حدث ولا حرج , إذ أن من الطبيعى جدا أن ينسى الأخ الكلام , بل و يتفوه بألفاظ و تعبيرات مستفزة , مثل :" و فرعون قال لوزيره , بنو اسرائيل دول ايه ؟ دول شوية خلابيص ! "
خلابيص ؟!! هذا ما فتح الله به عليك يا شيخ ؟!! اساسا أنا اعترض على استخدام العامية فى خطبة الجمعة , المفترض أن خطبة الجمعة لا تمثل فقط جزءًا اساسيا من الصلاة , بل أيضا هى جزء من ثقافتنا , لهذا يجب ان يتمتع ملقيها بفنون الخطاب . اما ما نراه من بعض الخطباء , من حديث ببعض المصطلحات المبتذلة , و اطالة لا مبرر لها فى الحديث , حتى ان بعض الخطب تتجاوز مدتها الاربعون دقيقة , و تهتهة و نطق خاطىء للحروف , كل هذا يقتل فن الخطبة قتلا ! و بالتالى يقتل اهتمام الناس بالإستماع . طبعا انا لا اقصد ان اسخر ممن اصيبوا بعلة فى اللسان او من لا يملكون القدرة على تذكر الكلام , لكن , مع احترامى , هؤلاء تنقصهم احدى اهم خصائص الخطيب , فعليهم ان يتنحوا عن المنبر لغيرهم ممن هو اقدر على الخطابة .
ثم أن لى اعتراضا آخر , اعترض على اعتبار السياسة مادة اساسية فى الخطبة , مع كامل احترامى لكل الآراء , إلا أن المواقف السياسية و الأزمات و الخلافات الحزبية و الحكومية ليست المشكلة الأساسية لمجتمعنا , صحيح ان الدين يتناول كل جوانب حياتنا , لكن بالحياة جوانب أخرى تستحق الإهتمام , لماذا يكثر الحديث عن الإنتخابات و العراق و افغانستان و قنوات الكليبات , بينما لا اجد من يتحدث عن التكافل الإجتماعى و الترابط الأسرى , لا اعترض على مجرد الحديث فى السياسة فى الخطبة , بل اعترض على اقتصار الخطبة على الكلام فى السياسة . هذا اشبه بالأب الذى يرعى ابنا له على حساب باقى ابناءه. لماذا معظم الخطب مكررة الموضوعات ؟ لماذا لا نجد خطيبا يتحدث عن الصداقة , الحب , المتع الحلال , الفن المباح .. لماذا معظم الخطب تتحدث عن المجتمع الفاسد العربيد الذى يستحق الحرق بجاز متسخ , من وجهة نظر الخطيب ! ؟ (مشيها متسخ عشان الفصحى ) .. لماذا هذه النظرة السوداء للعالم و المجتمع
أكرر , لا أقول أن هذا حال " كل " خطباءنا , بل هو حال " بعضهم " لكن المشكلة أن هذا البعض يكثر و يعلو صوته على حساب الأصوات العاقلة , كما يقول المثل الشعبى " الغجرية سِت جاراتها "
عفوًا يا سادة ! هذا ليس ديننا ! و ليست خطبنا ! و ليست افكارنا ! ديننا يخاطب العقل و يحترمه ! و يتناول كل شىء بالرفق و اللين ! و تذكروا ان الطبيب الذى يقول للمريض :" أنت تدخن و مصاب بالسرطان و ستموت لأنك تستحق ذلك " هو طبيب فاشل بكل المقاييس !
اتقوا الله فينا و فى انفسكم ! وقفتكم على المنبر مهمة جليلة , و أمانة ! فأدوها بحق ! و تذكروا ان الإسلام دين تيسيير لا تعسير ! و أن أركان الإسلام لا تضم التكفير و التفسيق و الحكم على المجتمع أنه فاسد يستحق كارثة من السماء !
وليد
الإسكندرية 12 من مايو 2006م